محمد جمال الدين القاسمي

343

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

و ( بغتة ) مصدر في موضع الحال ، لأي : مباغته ، أو مصدر لمحذوف ، أي تبغتهم . أو للمذكور . فإنّ ( جاءتهم ) ، بمعنى ( بغتتهم ) . قالُوا يعني : منكري البعث ، وهم كفار قريش ، ومن سلك سبيلهم في الكفر والاعتقاد . يا حَسْرَتَنا أي : يا ندامتنا ! والحسرة : التلهف على الشيء الفائت . وذكرت على وجه النداء للمبالغة . والمراد : تنبيه المخاطبين على ما وقع بهم من الحسرة . عَلى ما فَرَّطْنا أي : قصرنا فِيها أي : في الحياة الدنيا . أضمرت وإن لم يجر ذكرها ، للعلم بها ، أي : على ما ضيعنا فيها ، إذ لم نكتسب من الاعتقادات والأخلاق والأعمال ما ينجينا ، أو الضمير للساعة ، أي : على ما فرطنا في شأنها ، ومراعاة حقها ، والاستعداد لها ، وبالإيمان بها ، واكتساب الأعمال الصالحة . وقال ابن جرير : الضمير يعود إلى الصفقة التي دل عليها قوله قَدْ خَسِرَ . . إلخ . إذ الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت . قال : والمعنى : قد وكس الذين كذبوا بلقاء اللّه ، ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من اللّه رضوانه وجنته ، بالكفر الذي يستوجبون به منه سخطه وعقوبته . ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك . حتى تقوم الساعة . فإذا جاءتهم الساعة بغتة ، فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم ، قالوا حينئذ تندما : يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها . وقوله تعالى : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ حال من فاعل قالُوا ، فائدته الإيذان بأن عذابهم ليس مقصورا على ما ذكر من الحسرة على ما فات وزال ، بل يقاسون ، مع ذلك ، تحمل الأوزار الثقال . والإيماء إلى أن تلك الحسرة من الشدة ، بحيث لا تزول ولا تنسى بما يكابدونه من فنون العقوبات - قاله أبو السعود - . والأوزار : جمع ورز ، وهو في الأصل : الحمل الثقيل ، سمي به الذنب لثقله على صاحبه . قيل : جعلها محمولة على الظهور استعارة تمثيلية ، مثل لزومها لهم ، على وجه لا يفارقهم ، بذلك . وخص الظهر ، لأنه المعهود حمل الأثقال عليه . كما عهد الكسب بالأيدي . وقيل : هو حقيقة ، لما روي عن السّدي أنه قال : ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره ، إلا جاءه رجل قبيح الوجه ، أسود اللون ، منتن الريح ، عليه ثياب دنسة ، حتى يدخل معه قبره . فإذا رآه قال له : ما أقبح وجهك ! قال : كذلك كان عملك قبيحا . قال : ما أنتن ريحك ! قال : كذلك كان عملك منتنا . قال : ما أدنس ثيابك ! قال فيقول : إن عملك كان دنسا . قال : من أنت ؟ قال : أنا عملك . قال : فيكون معه في قبره . فإذا بعث يوم القيامة قال له : إني كنت أحملك في الدنيا باللذات